تمهيد
الإنسان إما أن يكون له دين أو لا يكون له دين، وصاحب الدين لا بد أن يعبد إلها ما يؤمن به ويتقرب إليه بطقوس العبادة، وهذا الإله إما أن يصنعه الإنسان بفكره وخياله أو أن يذعن لإخباره هو إياه عن نفسه، وهذا الإخبار لا بد –ليخرج عن دائرة الوهم- أن يكون بأسلوب قهري يختاره الرب وحده لا اختيار للإنسان فيه، ولا بد أيضا أن يقترن بدلائل قطعية يحصل بها للإنسان تصديق بأنه من الإله الخالق الحق لا من غيره.
وإن لم يكن للإنسان دين فقد وصل إلى هذه النتيجة بفكره وخياله كالقسم الأول الذي صنع تصوره عن إلهه بنفسه، فهي من صنع فكره وخياله أيضا.
يتحصل من ذلك أن الناس قسمان لا ثالث لهما: الأول يقدس فكره وخياله ويعتمد عليهما كل الاعتماد، والثاني يتبع ما يوحى إليه وحيا من ربه الحق، وهذا الثاني هو دين الإسلام لا غير، والأول يتضح بالتأمل أنه وصف مشترك بين سائر الأديان غير الإسلام.
ملحوظة: ظهرت طائفة جديدة تقول إنها تؤمن بالإله ولا تؤمن بالأديان، وهذه الطائفة لا بد أن تبني تصوراتها عن إلهها بالفكر والخيال فتدخل في القسم الأول وإن ادعت غير ذلك، أو تعتمد على الوحي الإلهي المقترن بالدلائل القطعية فتدخل في القسم الثاني، فيظل الأمر منحصرا في القسمين المذكورين.
ومن أراد تفصيل ما قلنا وإقامة البراهين عليه فعليه بدراسة العقيدة من كتاب تراثي كالجوهرة والسنوسية والخريدة وغيرها على يد شيخ متقن.
وبالله تعالى التوفيق.
لا تضع العربة أمام الفرس (1)
طاعة الإله في أمره فرع عن الإيمان به، فلا معنى للتفكير في تفاصيل الأحكام قبل حسم المسألة الأولى، أهو موجود أم لا، فسؤال: (لماذا شرع الله كذا أو لماذا حكم بكذا) لا ينبغي أن يُسأَل إلا على سبيل تلمس الحكمة فقط، وأما على وجه الاعتراض والاستدراك والمناقشة فلا يَحسُن ذلك السؤال من مؤمن جاد بل ولا من ملحد جاد!! لأن المؤمن يطيع ربه الذي آمن به دون أن يناقشه في أمره، والملحد كيف يناقش أمرا صادرا من جهة مجهولة لا يعرفها ولا يصدق بها، وما جدواه إن فعله؟!
بل إن المؤمن الذي يُتعِب نفسه في محاولة إقناع الملحدين بفوائد بعض الأحكام الشرعية (كتحريم الخنزير وأحكام المواريث وغيرها) إنما يكدح بلا طائل، لأنه حتى لو سلم له الملحد وصدق بوجه المصلحة في تلك الأحكام فإن ذلك لا يدخله في الإسلام، بل لا يدخل أحد في الإسلام إلا بالتصديق بالمسألة الأولى الأصلية وهي شهادة ألا إله إلا الله وأن سيدنا محمدا رسول الله (صلى الله على سيدنا النبي وعلى آله وصحبه وسلم) فيتعين الابتداء بحسمها قبل الخوض فيما ينبني عليها، فتأمل!
لا تضع العربة أمام الفرس (2)
التصديق بعصمة الأنبياء فرع عن التصديق بمفهوم النبوة ذاتها، فإذا ما حصل التصديق بالنبوة كان بناء العصمة عليها أمرا يسيرا لا يتوقف فيه الذهن.
فما مفهوم النبوة؟ النبوة في حقيقتها وحي من الله وتأييد منه سبحانه لواحد من خلقه.
فإذا ثبت ذلك المفهوم فلا إشكال في قبول كل تصرفات الأنبياء عليهم صلوات الله، وإذا بطل فهم بشر من البشر تخضع أفعالهم -كأفعال غيرهم- للتصويب والتخطئة دون داع لمحاولات (الدفاع).
وينبني على ما قلنا أن الأسئلة من قبيل : كيف جمع النبي صلى الله عليه وسلم تسع نساء في عصمته؟ كيف تزوج امرأة زيد بن حارثة وقد كان في حكم ابنه؟ كيف فعل ببني قريظة ما فعل بعد غزوة الأحزاب؟ ... إلخ لا معنى لها، لأنه يقال لسائلها: أتؤمن بنبوته صلى الله عليه وسلم؟
• فإن قال نعم، قلنا له فأنت تؤمن بأنه صلى الله عليه عليه وسلم فعل كل ذلك بتأييد من الله تعالى، فالاعتراض عليه اعتراض على الله تعالى.
• وإن قال لا، فالنقاش ليس في البحث عن التبرير لأفعاله صلى الله عليه وسلم وإنما في إثبات أصل النبوة أولا، لأنه لو لم تثبت نبوته فأفعاله كأفعال غيره من الزعماء والقادة تخضع لمقاييسنا البشرية في الحكم عليها، ولو ثبتت فأفعاله كلها عنوان الحق والصواب دون بحث!
وينبني على ما قلنا أن الأسئلة المذكورة لا يسألها مؤمن جاد بل ولا ملحد جاد!!
وينبني عليه أيضا أن من يتعب نفسه في محاولة (الدفاع) والتبرير إنما يكدح بلا طائل. هذا فوق أن تلك المحاولة -فيما اطلعت عليه- غالبا ما تكون بائسة متهافتة!
ومن أراد تفصيل البرهان على إثبات النبوة فعليه بقراءة كتاب تراثي في العقيدة كالجوهرة والسنوسية والخريدة وغيرها على يد شيخ متقن.
لا تضع العربة أمام الفرس (3)
(قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) (وعلى الله فليتوكل المؤمنون)
التوكل على الله تعالى فرع عن الاستسلام له في كل شيء ونسبة الأمر كله إليه في كل حال.
وهذا الاستسلام شعور قلبي ينبني على فكرة ذهنية هي أن الله تعالى بيده وحده مقاليد أمرك، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا باعتقاد عقيدة أهل السنة في أن كل المؤثرات الظاهرية التي نراها في الحياة إنما لها صورة التأثير لا حقيقته، وأن المؤثر الحقيقي هو الله تعالى وحده، فالطعام مثلا لا يشبع بذاته وإنما يخلق الله تعالى الشبع في الإنسان عند تناوله، والنار ليست محرقة بذاتها وإنما يخلق الله تعالى الإحراق عند تعرض الأجسام لها، وهكذا.
فإذا اعتقد الإنسان هذه العقيدة في كل الأسباب سهل عليه الاستسلام لله تعالى، وإذا شك فيها أو جادل فيها فإنه من المحال عليه الوصول للتسليم المنشود، إذ كيف ينقطع من نفسه الاعتماد على شيء ما وهو يعتقد له شيئا –ولو يسيرا- من التأثير؟! وكيف يفوض الأمر كله لله وهو يعتقد أن لغيره تأثيرا فيه وقدرا من التحكم في مصيره؟!
قال مشايخنا: اعتقاد التأثير الذاتي في الأسباب شرك في التوحيد، ونفي الأسباب عن كونها أسبابا خبل في العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية ترك للسنة، والصواب الأخذ بها مع اعتقاد التأثير لله تعالى وحده.
ومن أراد البرهان على ما قلنا فعليه بقراءة كتاب تراثي في العقيدة كالجوهرة والسنوسية والخريدة وغيرها على يد شيخ متقن.
وبالله تعالى التوفيق.
لا تضع العربة أمام الفرس (4)
التواضع فرع عن رؤية الفضل لله تعالى عليك في كل مزية لك على غيرك.
يظن كثير من الناس أن التواضع هو أن تنكر كل مزية لك، فإذا كنت تحفظ القرآن مثلا وقيل مَن مِنَ الحاضرين يحفظ القرآن؟ فالتواضع ألا تقول أنا، وإذا سئلت أتعرف الفقه مثلا –وأنت تعرفه- فإن التواضع أن تقول لا، وإذا تحققت فيك شروط الإمامة في الصلاة ولم يكن أحد من الحاضرين أولى بها منك فإن التواضع ألا تتقدم لها.
وكل ذلك غير صحيح من أربع جهات، الأولى: أنه يترتب عليه أن أنبياء الله تعالى لم يتصفوا بالتواضع، فقد قال سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم ((أنا سيد ولد آدم)) وقال سيدنا يوسف صلى الله عليه وسلم (إني حفيظ عليم) ولا شك أن اعتقاد ذلك من أفحش الغلط، الثانية: أنه كذب وإخفاء للحقيقة، ولا يمكن أن تكون الصفة المحمودة مبنية على وجود أخرى مذمومة. الثالثة: أن فيه تركا لحكم شرعه الله تعالى وعدولا عنه إلى غيره في مسألة الإمامة ونحوها. الرابعة: أنك وإن أنكرت مزيتك على غيرك إلا أنك تعرف بوجودها فيك، فحتى لو سلمنا أن هذا الصنيع من التواضع فهو في الظاهر فقط ولا وجود له في الباطن، بل إن بعض الناس يسلكونه يبتغون به الصدارة والرفعة من باب أن من تواضع لله رفعه!! فكيف يكون طالب الصدارة والرفعة متواضعا؟!!
إذا عرفنا ذلك، فهل التواضع أن تقلل من شأن الصفات الطيبة؟ فلا تعتبر لحفظ القرآن الكريم ولا للمعرفة بأحكام الدين مزية ولا قيمة؟ لا شك أن هذا من سوء الأدب، لأن من أعظم الوقاحة أن تقلل ما كثره الله وتحقر ما عظمه.
فنقول وبالله التوفيق: التواضع هو أن تعرف بوجود نعمة الله تعالى عليك في بدن أو عقل أو علم أو منصب ...إلخ ولا تجعل لنفسك بوجودها فضلا، بل تنسب الفضل فيها لواهبها سبحانه، فلو كنت عالما مثلا فسل نفسك: من الذي خلق فيك الاستعداد لفهم العلم؟ ومن الذي خلق فيك الدافع للإقبال عليه؟ ومن يسر لك سبل طلبه؟ ومن قيض لك المشايخ والكتب؟ ومن يفتح عليك بالاستحضار للمسائل حين الحاجة إليها؟ ومن يثبتها في ذهنك فلا تذهب؟
وبذلك يكون التواضع الحقيقي إنما هو في نسبة الفضل إلى ربك وأن ترى نفسك –في حد ذاتها- لا تستحق فضلا ولا مدحا وأنك –في حد ذاتك- لا تتميز على أحد من الناس ولو كان عاصيا أو فاسقا أو كافرا إلا بفضل الله عليك، وأنك لا تستطيع أداء حق الله تعالى بشكر هذا الفضل (فضلا عن استحقاق الثواب والدرجات عليه !!!!)
وينبني على ما قلنا أن التواضع فرع عن الإقرار بفضل الله تعالى في النعمة مع العجز عن شكرها لا في إنكارها وجحود مزيتها وفضلها، ولا في إطراق الرؤوس ومصمصة الشفاه والتمتمة بكلمات من مثل: أنا غلبااااان أنا مسكيييييين وأنت تعتقد في باطنك الأفضلية على الناس والاستحقاق على ربك.
ومن أراد تفصيل ما قلنا فعليه بالمطالعة في كتب الأخلاق والتزكية كالإحياء وغيره على يد شيخ متقن.
وبالله تعالى التوفيق.